أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
470
شرح مقامات الحريري
البلاد ، حدائق ملتفّة ، وقصور مصطفة ، فكفروا بأنعم اللّه فأهلكهم ، وذلك لأنهم ملكهم عملوق بن طسم ، وكان غشوما لا يملك نفسه في هواه ، فاختصمت إليه امرأة من جديس اسمها هزيلة مع زوجها في ابن لها ، فأمر بالولد فجعل في غلمانه ، وأمر بالزوج أن يباع وتعطى المرأة عشر ثمنه ، وبالمرأة أن تباع ويعطى الزوج خمس ثمنها ، فقالت هزيلة : [ الطويل ] أتينا أخا طسم ليحكم بيننا * فأبدع حكما في هزيلة ظالما وهي أبيات ، فبلغه قولها ، فأمر ألّا تتزوّج امرأة من جديس حتى تحمل إليه قبل زوجها فيعتذرها ، فلقوا منه ذلّا طويلا إلى أن تزوّجت الشموس بنت غفار أخت الأسود ابن غفار ، وكان سيّد جديس فلمّا كانت ليلة إهدائها حملت إليه ، والقيان معها يقلن : [ الرجز ] ابدأ بعملوق إليه فاركب * وبادر الصّبح بأمر معجب فما لبكر بعدكم من مذهب فلما افتضّها ، خرجت على قومها في دمائها شاقة جيبها من دبر ومن قبل وهي تقول : [ الطويل ] أيصلح ما يؤتى على فتياتكم * وأنتم رجال فيكم عدد الرّمل فإن أنتم لم تغضبوا بعد هذه * فكونوا نساء لا تفرّ من الفحل فلو أننا كنّا رجالا وكنتم * نساء لكنا لا نقيم على الذلّ فأنفت جديس عند ذلك ، واجتمعت إلى أخيها الأسود ، وأجمعوا على أن يصنعوا لها طعاما ، فيدعو عملوقا مع قومه فإذا جاءوا في الخيل والبغال عمّوهم بالقتل ، فقالت الشموس لأخيها : الغدر عار وعاقبته بوار ، صبّحوا القوم في ديارهم تظفروا أو تموتوا كراما ، فقالوا لها : المكر أمكن من نواصيهم ، ثم صنع لهم الطعام ودفنوا سيوفهم في الرمل ، فلما استكملوا في المدعاة أتوا عليهم أجمعين ، وهرب من طسم رياح بن مرة ، فأتى حسان بن تبّع لينصره ، فاستبعدوا أرضهم ، وكان قد تبّع لرياح كلبة ، فضربها في رجلها حتى عرجت ، فقال : أبعيدة أرض قطعتها كلبة عرجاء ! فتجهز معه بجيش فلما صاروا من جديس على ثلاثة أيام ، صعدت الزرقاء على منار كان لها لتنظر الجيش ، وكان رياح قد قال لهم : إنّ الزرقاء تبصر على ثلاث ليال ، ولكن ليقطع كل رجل منكم غصنا من شجر ، فيحمله لنشبّه عليها ، فلمّا رأتهم ، قالت : يا قوم أتتكم الشجر أو أتتكم حمير ، فلم يصدقوها فقالت : [ الرمل ] أقسم باللّه دبّ الشّجر * أو حمير قد أقبلت شيئا تجرّ فكذّبوها ، وقالوا ، كلّ بصرك وضعف ، فقالت : أقسم باللّه لقد أرى رجلا ينهش